
رحمك الله ..
افقت على طرقات الباب, كانت الساعة تشير الى التاسعة صباحا تقريبا, فتحت الباب لاجد اخي امامي, “امي توفت”, هكذا بدون سابق وادنى مقدمات استقبلت خبر وفاة امي. مشى من دون اي كلمةً اخرى, وقفت مكاني حائرا, لا اعلم هل ماسمعته حقيقة وواقع ام انه مجرد بقايا كابوس لااكثر. عدت الى سريري, اعدت فتح هاتفي النقال بعد ان كان مغلقا طوال الليل لاجده يرن, اجبت فاذا به صديقي يسألني عن حالي فاجبته الوالدة عطتك عمرها. جلست متفكرا فبالامس فقط كنت معها.
بالامس فقط كنت لديها في المستشفى, خرجت من العمل ليلا لاتوجه الى البيت فاجد البيت خالٍ, اتصلت في والدي ليعلمني بأن والدتي بالمستشفى بعد انتكاس حالها. كنت معها في غرفة الانعاش, امسح على رأسها ودموعي تتساقط على حالها, تخبرني بماتشعر به من برد فاسرع لاغطيها وامساك يدها لتدفئتها, امسح بقايا الدماء الخارجة من شفتيها, وانا اسمعها تردد لا اله ال الله محمد رسول الله, اسألها عن حالها لتجيبني بكلمة الحمدالله, ارى اجهزة القلب والضغط تشير الى اللون الاحمر, رغم انعدام خبرتي وعدم معرفتي بالارقام التي بالشاشة الا انني كنت اعلم بانها تشير الى مالايطمئن, اتى الطبيب ليخبرنا بان حالتها رغم محاولتهم لجعلها مستقرة الا انها مازالت حرجة, وكأنه يهيئنا نفسيا لاستقبال الاسوء.
تركتها وانا على يقين بأنني سآتي غدا صباحا لها, فقد هيئت نفسي لاخذ اجازة عرضية من العمل لاكون بجانبها طوال اليوم.
خرجت مسرعا وانا لازلت بين مصدقا وغير مصدق, اتصلت بالعمل لاخذ اجازتي العرضية, وفي الطريق اتصلت باخي الاصغر ليكلمني وهو متمالك نفسه بانه عند والدتي بالمستشفى, لدرجة انني طمئنت نفسي بأنه من الممكن ان يكون هناك خطأ في تشخيص الاطباء وبان امي لم توفها المنية الى الآن.
وماان وصلت الى الجناح حتى رأيت ابي واخوتي هناك لاستقبل خبر وفاة امي رسميا من شفتي والدي, امك راحت, حاولت تمالك نفسي الى ابعد الحدود, فجلست على الارض في وسط الجناح لتنهمر دموعي من غير صوت, دموع من القهر والحسرة والحزن. القهر على اقرب المقربين الذين لم يرفعوا سماعة الهاتف لها طوال فترة علاجها بالخارج الا لمصلحتهم الخاصة رغم سؤالها عنهم في كل حين, حسرة بانني لم اكن معها واحساسي بانني كنت مقصرا, وحزن على فقدي لجزء مني كنت اتمنى ان اودع الحياة قبله.
رأيت امي تُجر امامي, ففضلت الخروج على رؤية هذا المنظر, خرجت لاجد خالتي امامي, احضنها وابكي, فقد كانت المقربة لوالدتي من بين خالاتي جميعا حتى فرقهم الحسد والقيل والقال من اقرب الناس لهن, اجريت اتصالاتي لاخبر من يعز علي بوافاتها, فكنت اول الواصلين الى المقبرة, فماهي الا دقائق حتى امتلأت المقبرة بالمعزيين, وصلت سيارة الاسعاف فلم ارى الا اخي الاصغر جاثم على ركبتيه بعد فتح باب سيارة الاسعاف وروئيته لجثمانها مغطى, فقد كان بصحبة امي رحمها الله طوال مدة علاجها بالخارج مما زاده تعلقا وحبا بها. وجوها من النساء الجازعات, وجوه من الرجال لا اعلم من هم.
دخلت المغسلة وجلست, فقد كنا ننتظر من ستأتي لغسلها, كنت وحيدا مع امي اراها ملفوفة ومغطاة بغطاء المستشفى, اتحدث لها لاخبرها بمدى حبي لها, وألمي بفقدانها, اهذي بكلمات غير مفهومة لا اتذكرها. الا ان جاء عمي واخذني بعيدا عنها.
كنت متمالكا نفسي, شامخا كما عودتنا امي دائما, ولكن جزعت لوهله, حينما دعونا للدخول لالقاء النظرة الاخيرة على جثمانها, فلم اتمالك نفسي وانا ارى وجهها. فوجدتني ابكى بكاء الاطفال, بكاءا اشبه بالصراخ والانين, احضنها واقبلها امام الجميع وانا ارى نظرات الحسد والحقد من بعض النساء حتى في موتها بأن ابنائها جميعا وعزوتها وزوجها معها حتى في مماتها, فرأيت يدا ممتدة الى تذكرني بالصبر والدعاء, تحضنني تذكرني بأن بكائي يعذبها ولم يفيدها بشئ, التفت فاذا هي اختي الكبرى التي كانت اشد مني شموخا وصلابة امام الموجودين, ابعدوني عنها وانا لازلت ممسكا بها, اشبه بابتسامة خفيفة مرسومة على وجهها وكأنها تطمئنني بانها في جنات الخلد بأذنه وتوصيني على نفسي وتأمرني بان لا احزن وان اهتم بنفسي ومن حولي, ابتسامه لم اشبع من رؤيتها. رأيت ابي ينحني ويقبلها على وجنتيها, يهمس لها بان تسامحه اذا قصر في حقها في يوما من الايام.
حملناها, اتممنا الصلاة عليها, دفناها, ووقفت لاستقبل المعزين,وقفت وللمرة الاولى اقف لاستقبل التعازي في احد, اتقبل التعازي في امي.
آلمني رؤية ابي, رغم تماسكه وشموخه الغريب الا انني كنت انتظر وانا خاشيا من القادم, انتظر لحظة انهياره رغم عدم رغبتي برؤية هذه اللحظة. ومان ان وصلنا البيت حتى دخل غرفته ليتذكر نصفه الآخر, نصفه الذي رحل, الذي رحل بعد حياة دامت اكثر من 35 سنة, نصفه التي اقسم معها بأن لم يفرقهما الا الموت, نصفه الذي عانى معه مصاعب الحياة فكان له خير عون وخير صاحب, نصفه الذي صبر عليه وكان معه في حلو الحياة ومرها, نطق الآه بل الآخ بكل حرقة قلب, وكأنني اسمعها تفطر قلبي, اسمعه وهو يردد بأنه هو من تيتم وليس نحن.
الى امي ..
رحمك الله ياامي وغفر لك واسكنك فسيح جناته, لن ننساك يوما ماحيينا, فقد كنت نعم الام المكافحة المعطاء التي ضحت من اجل ابنائها, نعم الزوجة التي ساعدت زوجها لتربية اولادها حق تربية, رحمك الله ياامي فقد كنت الصبورة المؤمنة بقضاء الله وقدره, لم تفكري بالموت بل لم تطريه يوما, رحمك الله ياامي وغفر لك, فقد كنتي منشغلة بربك وابنائك واحفادك, كنتي مرددة للشهادة لآخر يوم, كنتي تخفين آلامك عنا لمجرد شعورك بأننا سنتألم وسنتعب رغم انه واجبنا, فكنت تنكرين آلامك ومابك حين نسألك عن ماتشعرين به مرددة الحمدالله انني بخير, رحمك الله ياامي, فقد كان بابك دائما مفتوح للجميع, عودتينا على الصدقة والاحساس بالفقراء, عودتينا على التصدق بما تجود به انفسنا في كل شهر للمحتاجين من معارفك, فقد كان الفقراء احب واقرب الناس اليك, ولم يكن المال واصحاب الجاه ما يشد انتباهك كالاخرين , بكى عليك اصدقائنا كما بكينا, وبكت عليك معارفك اكثر مما بكينا, رحمك الله ياامي فقد كنت حتى في موتك مثالا للجميع في حسن الخاتمة, فكان وجهك منورا, وكانت آثار العلاج الكيميائي والاشعاعي قد اختفت من ملامحك, بل مسحت كل آثاره, رحمك الله ياامي فبشهادة من كانوا هناك في المغسلة بأنه كلما اعدلوا وجهك اطحتي به جهة القبلة, جهة اليمين, رحمك الله ياامي وجعلك من اصحاب اليمين, فقد وكلتي امرك لله في كل شي, فقد كان الله حسبك ونعم الوكيل لك في كل شي, كنت دائما ماترددين كلمة الحمدلله, كنت دائما ماتبررين مواقف اقرب الناس بأنه من يعمل خيرا يلقى خيرا وبأن لاشي يضيع عند الله, فاستقبلك احسن استقبال, فجموع المصلين وجموع المعزين كان اكبر مما توقعناه, فكان بيتك مفتوحا لهم حتى في مماتك, رحمك الله ياامي فقد استغنيتي عن الجميع, اصبحت غنية عند الله, بين يدي الرحمن, رحمك الله ياامي فمازالت رائحتك العطرة وبخورك المفضل تحوم في ارجاء غرفتك, رحمك الله ياامي واسكنك فسيح جناته وألهمنا الصبر والسلوان.
.

الى ابي ..
رسالة عرفان ام رسالة شكر وتقدير, فاي شكر واي عرفان يكفيك وانت من جعلك الله سبب وجودي.
ابي ايها المعنى الكبير والعطاء الكبير والحنان الكبير, ماذا اكتب لك.
اخترت لي اما, فكانت نعم الام, ضحت من اجلك واجلنا, صبرت وصبرت معها على مشاق الحياة, واخترت لي اسما فكان نعم الاسم, ولحظة ولادتي اذنت في اذني اليمنى واقمت الصلاة في اذني اليسرى, فكان اول صوت سمعته هو صوتك.
علمتني ان التواضع رفعة, وان الكبر جهالة, علمتني معنى الحب ومعنى الحنان ومعنى الابوة.
وكم يسحرني بيانك, وحلاوة لسانك, نظافة قلبك وحنانك الفياص وروعة بشاشتك, فكيف ابرك وقد كان البر منك ابتداءا؟
كم افخر بك, واشرف بك, فكم تعبت لنستريح, وكم شقيت لنسعد, وسعيت باسباب الدنيا لتطعمنا وتسقينا وتكسونا وتعلمنا, فاصبحنا بفضلك افضل الجميع.
فانت الآن ابي وامي, ومااملك في هذه الدنيا.
عطائكم انت وامي رحمها الله ممتد بلا حدود, وحبكم بلا حدود, وقدركم بلا حدود.
فلو ظللت خادما طيلة حياتي اسعى في اسباب اسعادكم بكل مااملك, بنفسي ومالي وكل ماعندي لكان ذلك قليلا, قليلا جدا, فمن اين آتي بقلبٍ كقلبكم, حب خاص, وحنان خالص, وعطاء خالص, وايثار خالص ,وصدق في كل ذلك خالص.
اطال الله في عمرك ياابي وجعلك لي فخرا وسندا مدى الحياة.



























